مقال: الصداقات | علم النفس

مقال: الصداقات | علم النفس


قراءة منشورات في مدوّنة علم النفس ، الصداقات : الصداقات واهمية الصديق ومعنى الصداقة والعلاقات والمشاعر الموجبة Friendship ..

الصداقات:

  الصداقات Friendship

          وهي علاقة من التعاطف المتبادل بين اثنين أو أكثر من البشر، وتتسم بالمشاعر الموجبة بينهما. ولقـد وجـدت الصداقـة بين البشـر بوجود الأنا والآخر، فالآخر بالنسبة إليَّ إما أن يكون غريباً، لا تربطني به أي علاقة، وهو الغريب بالنسبة إليَّ. وإمّا أن يكون بيننا تعارف أو زمالة، وهذه تظهر في تحية كل منا للآخر، أو اشتراكنا في عمل ما، أو تجاورنا في سكن، أو اشتراكنا في رحلة ما معاً، من دون أن يكون بيننا تعاطف متبادل، ومشاعر موجبة، بل قد تكون، أحياناً، مشاعر سالبة، فقط هو أننا نعرف كل منا الآخر. وإمّا أن يكون بيننا مشاعر موجبة، وتعاطف متبادل، من دون رغبة جنسية، وهي علاقة الصداقة. وإمّا أن يكون بيننا تعاطف متبادل، مع مشاعر موجبة، مع رغبة في الالتحام الجسدي، مع هذا الآخر، والحصول على لذة من خلال العلاقة والالتحام، وهي علاقة الحب.

          ويمكن أن نفصل الصداقة إلى أن لها شق معرفي يتمثل في المعرفة العقلية بالآخر، ومعرفة سماته وطبائعه التي يتميز بها، مع قناعة عقلية بأنه شخص جدير بالاحترام والتقدير، ومعرفة أوجه الشبه بيننا وبينه، مع تفهم لِمَا قد يكون مختلفاً فيه عنّا. وهذا الشقّ المعرفي أساس لتكون الشق الثاني، وهو الوجداني، إذ إن القناعة العقلية بهذا الشخص، بصفة خاصة، تعكس مشاعر موجبة داخلنا تجاهه، فنشعر بالارتياح لوجوده، ونأنس إليه، ونشعر بالسرور لرؤيته. وشقّها الثالث هو السلوك، الذي ينعكس في اهتمامنا بهذا الشخص، وحسن الاستماع إليه عندما يتحدث، واهتمامنا بأن نشاركه خبراته أو مشكلاته ومساعدته في حلها، في صورة نصح أو حل عملي أو مجرد الاستماع إليه لتفريغ شحنته وإشعاره أننا إلى جواره. وكذلك نفضي إليه بأسرارنا ومتاعبنا الشخصية، ونطلعه على ما نفكر فيه، كما نشاركه آماله وطموحاته، ونتابع، باهتمام، أخباره وما يجد له من وقائع.

مراحل نمو الإنسان والصداقة

          وعلاقتنا بالآخر تمر بمراحل مختلفة، تبدأ من السنة الأولى من عمر الطفل، حينما يرتبط في علاقة بالآخر، وهو الأم، أو من ينوب عنها، فإذا كانت الأم طيبة، تخف إليه عندما يبكى لتطعمه، أو تهدئ من روعه، أو تغير له ملابسه المبللة، فإن هذا يرسخ لديه الشعور بالثقة بالآخر، والاطمئنان إلى وجود هذا الآخر، وأنه (أي الآخر)، سيشبع احتياجات الطفل المختلفة. وعندما تترسخ الثقة بالآخر، بمثل هذا الشكل، فإن هذا الطفل سوف يكون قادراً، في المستقبل، على إقامة علاقات مع الآخرين، وعلى الثقة بهم. ولكن الإشباع الزائد للاحتياجات، في تلك المرحلة، قد يجعل الطفل اعتمادياً على الآخرين، بدرجة كبيرة، ويثق بالآخر حتى عندما يجب اتخاذ الحذر والحيطة.

          وإذا كانت الأم، أو من ينوب عنها، مهملة، لا تستجيب لبكاء الطفل، ولا تشبع احتياجاته، فإنه سيشك في مصداقية الآخر، وتهتز الثقة الأساسية بنفسه، فلا يكون قادراً، مستقبلاً، على إقامة علاقات ثقة بالآخرين، على الرغم من حاجته الشديدة للحب منهم، فإنه ينكر ذلك ويظهر القسوة والعنف في تعامله مع الآخرين، وقد يصل إلى البارانوية، والشك في الآخرين، والشعور بأنهم يضطهدونه، ويخططون لإيذائه.

          وعندما يصبح الطفل في العام الثاني من عمره، وتنمو عضلات المشي لديه، فإنه يخطو بعيداً عن أمه، في محاولة للشعور بأنه آخر مستقل. وهو في هذه المرحلة حساس لِمَا يقال عنه، وعنيد لتأكيد استقلاليته. وفي مرحلة الطفولة المبكرة، من ثلاثة إلى ستة أعوام، تكون الذاكرة قد تكونت لديه، إذ يكون للآخر صورة يستدعيها في مخيلته عند غياب هذا الآخر، فلا يكون غياب الآخر أبدياً كما كان في المراحل السابقة، إذ كان لا يحتمل غياب أمه، لأنه لا يتصور أنها ستعود. وعلى الرغم من علاقته بأطفال آخرين، في هذه المرحلة، إلاّ أن تركيزه ينصب على ما يحصل عليه من اهتمام الآخرين وإعجابهم به، وبما يأتيه من مبادرات. ولكن في نهاية هذه المرحلة، يقل تركيزه على نفسه، ويهتم بالآخرين، ويصبح له بعض الأصدقاء. وفي مرحلة الطفولة المتأخرة، من ستة أعوام إلى اثني عشر عاماً، يزيد اهتمامه بالآخرين، ويحرص على الاندماج في مجموعة من الأصدقاء، ويتعاون معهم من أجْل مصلحة الفريق الذي يعمل فيه. ويحزّ في نفسه، أن يكون وحيداً، ليس له أصدقاء، لأنه يحرص على القبول الاجتماعي من الآخرين.

          وفي مرحلة المراهقة، يعمل المراهق على تحرير نفسه من ارتباطه بوالديه، ليشعر بشخصيته المستقلة، فيرتبط بمجموعة الأصدقاء التي تعطيه مساندة معنوية، تدعمه وتؤكد له القبول من الآخرين كشخص متفرد، ولذا، فإنه يضحي من أجْل المجموعة، ويتحمل تبعات عضويته فيها. وحين يوجد مراهق بلا أصدقاء، فإنه يعاني من الشعور بالعزلة، وعدم القبول، والضيق والاكتئاب، ويسترسل في أحلام اليقظة، معوضاً العالم الواقعي بعالم آخر من صنع خياله. وقد يزيد الخيال وينأى المراهق عن الواقع إلى درجة اختلال فهم هذا الواقع، الأمر الذي يشوّه إدراكه للعالم الخارجي، فيوصف بالجنون، من قِبل المحيطين به.

          وفي مرحلة الألفة وتكوين الأسرة، إذ يكون الشخص قد تزوج وارتبط برباط اجتماعي مع آخر في علاقة حميمة، ونبذ حياة العزوبية إلى إطار الزواج، فيبدأ في صداقات أسرية لتناسب المرحلة الجديدة التي انتقل إليها. فهو لا يستطيع أن يقضي وقت فراغه مع أصدقائه غير المتزوجين، كما كان يفعل قبل الزواج، لأن ذلك لن يدع له وقتاً كافياً لحياته الجديدة، ولذا، نراه ينسحب من أصدقائه غير المتزوجين، ليقيم علاقات أخرى بديلة مع المتزوجين، الذين يشبهونه في مسؤوليتهم الأسرية، وغالباً ما يوجدون معاً في إطار أسرهم. ونظراً إلى المسؤولية المادية للأسرة، في هذه المرحلة، تكثر صداقات المنفعة، بحثاً عن أبواب الرزق للإنفاق على الأسرة، وبناء مستقبلها المادي، وليس عيباً أن تكون للصداقة منفعة مشتركة، إذا توافرت لها المقومات الأخرى، فذلك يقويها، بل إنه يعطي فرصة أوسع للوجود والتحاور معاً، ويوحد الآمال والطموحات المادية، فيقرّب بين الأصدقاء أكثر، خاصة إذا سادت روح التسامح والإخلاص.
اضغط هنا للاشتراك بتطبيق كل يوم حكمة


          وفي المرحلة التالية، إذ كَبُر الأبناء، واستقلوا بحياتهم، أو أوشكوا على ذلك، نرى الشخص وقد جاوز الأربعين، أو أشرف على الخمسين من عمره، يبحث عن معنى جديد لوجوده في الحياة، فلقد كون الأسرة، وكبر الأبناء، وأصبح لكل فيهم شخصية مستقلة، وهنا، يعيش أزمة البحث عن أهداف جديدة تستحق أن يعيش من أجلها، فيما يعرف بأزمة منتصف العمر. وقد يكون حل الأزمة باختيار أصدقاء جدد، أو زوجة جديدة، أو تغيير نمط الحياة، أو إعادة اختيار العمل. وقد يتجه إلى الاندماج في نشاط مجتمعي يخدم المجتمع الأوسع، بعد أن كان مركزاً على رعاية أسرته، وهذا يجعله صديقاً لكثيرين ممن يشاركون أو يفيدون من هذا النشاط. وتكون صداقات هذه المرحلة، صداقات ناضجين، لا تشوبها انفعالات المراحل السابقة، كما تكون فيه المساندة للصديق وإعانته في عثراته، خاصة أن الشخص يملك الامكانيات التي تؤهله لذلك في هذه المرحلة. وتُعَدّ صداقة هذه المرحلة أنضج الصداقات وأمثلتها ما زالت تطل علينا من التاريخ، وأروعها ما كان بين سيدنا محمد ـ  وأبي بكر الصديق ـ رضى الله عنه ـ إذ كانت صداقة فيها التضحية والحب والإيثار، مع وحدة الآمال والأهداف، ولخدمة المجتمع الإسلامي الوليد، آنئذٍ، ثم تدعمت بالمصاهرة بزواج النبي ـ  من عائشة بنت أبي بكر الصديق ـ رضى الله عنهما.

          ثم تأتي المرحلة الأخيرة من مراحل نمو الإنسان، بما فيها من شعور بالتكامل والرضى، مع حكمة ما فات من عمر الإنسان، فلا تضيف صداقات جديدة، إلا نادراً، إذ يقل سعي الإنسان في هذه المرحلة، وهذا يتيح له فرصة الوجود مع أحفاده، فتبدأ صداقة من نوع جديد، صداقة الجد المحدود الحركة، بالطفل المتطلع إلى المستقبل الدءوب الحركة، فينقل الخبرة وتراث الأجداد إلى الأحفاد، ليبدأوا رحلة مراحل جديدة في عالم متغير بصداقات جديدة. وفي صداقة الجد والأب القدوة للصغير، في كيفية التعامل مع أصدقائه.

ماذا يُستفاد من الصداقة؟

          للصداقة مردود وفوائد تعود علينا كما تعود على أصدقائنا، فهي تعطينا الفرصة لنعبر عن أنفسنا مع آخر، هذا الآخر، يقبلنا ويهتم بنا، ويسمعنا ويشاركنا آلامنا وآمالنا وتطلعاتنا، فنشعر بالمساندة والتأييد، ويقل الشعور بالوحدة والعزلة، أو النبذ من الآخرين، كما نتبادل الخبرات التي تفيد كل منا، سواء كانت خبرات عشناها بأنفسنا، أو سمعناها، أو قرأنا عنها، وحدثت لغيرنا، إنه الإثراء المتبادل لكل من الصديقين في اتجاه مزيد من التكيف والصحة النفسية.

          حين يبتسم الطفل ابتسامة اجتماعية لأمه، فتنجذب إلى تلك الابتسامة، وتداعبه، بغية تكرارها. والطفل السوي مزود بتلك الهبة الإلهية، وهي الابتسامة البريئة، التي تجذب الانتباه إليه، وتستوقف الكبار لمداعبته، وإقامة صداقة معه، وتظل الابتسامة الاجتماعية، هي مفتاح العلاقات مع الآخرين، وتصريح الدخول إلى قلوبهم منذ تلك اللحظة.

ماهي سمات الشخص الصدوق؟

          وهناك سمات في بعض الأشخاص، تجعلهم أيسر وصولاً إلى قلوب الآخرين ومصادقتهم، فهم يملكون تلك الابتسامة الاجتماعية التي تحدثنا عنها، وهم يظهرون الاهتمام بمن يحدثهم، مع التواضع في معاملته وإظهار الاحترام له والإصغاء لِمَا يقول، مع التسامح وعدم الانتقاد له، بل إبراز الوجاهة فيما يقول.

          إننا نحب من يشعرنا أننا بخير، وإذا أخطأنا، فليكن إصلاحه لنا برفق، ويملك قدراً كبيراً من التسامح، وإذا انتقدنا، ففي إطار من المودة والتقدير. وهذه السمات هي مفاتيح الصداقة، فمن كانت جزءاً من ،طبائعه كان صدوقاً للآخرين، ومحبباً إليهم.

 



 

 

 

image

اكتساب العلم والمعرفة

  • علم النفس

اكتساب العلم المعرفة الخبرة الدراسة مهارات ...

4,478 قراءات
image

الأرق

  • علم النفس

علاج الأرق السهر النوم الاستيقاظ ...

2,646 قراءات
image

الإسترخاء

  • علم النفس

الإسترخاء الراحة النفسية التوتر الاستجتمام ...

2,645 قراءات
image

الأسرة

  • علم النفس

الأسرة العائلة الزواج الزوج الزوجة الأولاد ...

2,806 قراءات
image

الاضطراب

  • علم النفس

الاضطراب الارتباك اختلال خلل ...

1,446 قراءات
المزيد ...
حكمة اليوم:

فيديوهات

أشهر الفيديوهات:

علم النفس:

المزيد ...

مدوّنات الجانب الشخصي:

المزيد ...

مقالات و مدوّنات أخرى: